حروب الرسوم الجمركية.. كيف تُفاقم السياسات التجارية مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان؟
حروب الرسوم الجمركية.. كيف تُفاقم السياسات التجارية مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان؟
تتجاوز حروب الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين حدود الاقتصاد والسياسة، لتترك أثرًا عميقًا على حياة ملايين العمال والمهاجرين حول العالم، ومع تصاعد النزاعات التجارية خلال السنوات الأخيرة، أخذت أنماط الهجرة تتغير بشكل ملاحظ، لتتحول إلى انعكاس مباشر لصراع القوى الكبرى على الموارد وسلاسل التوريد العالمية، غير أن هذا التحول لا يخلو من تكلفة إنسانية باهظة، إذ يتزايد خطر انتهاكات حقوق الإنسان في بيئات العمل التي تستوعب تدفقات المهاجرين، ما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات جديدة تتعلق بمواءمة مصالح التجارة مع المبادئ الإنسانية.
وبدأت المرحلة الأخيرة من حروب الرسوم الجمركية مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حزمة تعريفات واسعة تحت شعار “صنع في أمريكا”، ومنذ ذلك الحين، دخلت الشركات في سباق لإعادة تشكيل سلاسل التوريد بهدف تقليل كلفة الرسوم أو فتح أسواق بديلة، الاستراتيجية الأكثر انتشارًا كانت "الصين +1"، أي الاحتفاظ بجزء من الإنتاج في الصين مع نقله جزئيًا إلى دول أخرى مثل فيتنام، إندونيسيا، والمكسيك.
هذه التحولات أحدثت ضغطًا هائلًا على القوى العاملة في تلك الدول، لتتحول المكسيك وجنوب شرق آسيا إلى مراكز جذب للاستثمارات، وفي الوقت نفسه إلى بؤر جديدة للهجرة والعمالة المهاجرة القادمة من دول أكثر فقرًا.
نتاج مباشر للسياسات التجارية
تاريخيًا، ارتبطت الهجرة الاقتصادية بتحولات الإنتاج والصناعة، ففي تسعينيات القرن الماضي، أدى توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) إلى تسريع انتقال الصناعات إلى المكسيك، وهو ما خلق موجة هجرة معاكسة نحو الولايات المتحدة.
واليوم، يتكرر المشهد لكن بصورة أكثر تعقيدًا، إذ نشهد ما يُعرف بـ"هجرة الإحلال" حيث تنتقل العمالة من بلدان متوسطة الدخل إلى الدول الأكثر ثراء، في حين تستقطب هذه الدول بدورها عمالة جديدة من الاقتصادات الفقيرة.
هذا النمط المتسلسل يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية للهجرة، حيث باتت المكسيك مثلًا تتحول من بلد مُصدّر للمهاجرين إلى بلد مستقطب لهم، مع ما يرافق ذلك من توترات اجتماعية وضغط على الخدمات العامة.
سلاسل التوريد البشرية
أحد أبرز مظاهر الأزمة يتمثل في بروز ما يُعرف بـ"سلاسل التوريد البشرية"، أي اعتماد الشركات متعددة الجنسيات على شبكات توظيف معقدة وعابرة للحدود، وتشير بيانات منصة إدارة المخاطر EiQ، المستمدة من أكثر من 30 ألف عملية تدقيق ميداني سنويًا، إلى أن وكالات التوظيف تتوسط في نحو 80% من عمليات توظيف العمالة منخفضة المهارة.
غير أن هذه الوكالات كثيرًا ما ترتبط بممارسات استغلالية تشمل فرض رسوم باهظة على العمال، أو مصادرة جوازات السفر، أو تغيير شروط التعاقد عند الوصول، وأظهرت تقارير EiQ أكثر من 850 انتهاكًا جسيمًا في عام واحد، تراوحت بين الاقتطاعات غير القانونية من الأجور والعمل الإجباري وصولًا إلى حوادث جسيمة تهدد الحياة.
وتُثير هذه التطورات قلقًا متزايدًا لدى المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، فقد أكدت منظمة العمل الدولية أن نحو 28 مليون شخص حول العالم يعيشون في ظروف عمل قسري، وهو رقم يُتوقع ارتفاعه مع اشتداد المنافسة التجارية وتزايد تنقل العمالة، كما شددت هيومن رايتس ووتش على أن سياسات الترحيل الجماعي وتشديد قيود الهجرة في الولايات المتحدة أسهمت في خلق مناخ من الخوف، يمنع العمال من الإبلاغ عن الانتهاكات أو طلب الحماية القانونية.
الأمم المتحدة بدورها أشارت إلى أن هذه الممارسات تُخالف صراحة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي يضمن حق كل فرد في ظروف عمل عادلة وآمنة.
الأمثلة الأكثر خطورة
تُظهر التحولات في مواقع الإنتاج مستويات متفاوتة من المخاطر الحقوقية، ففي بنغلاديش، تثير المصانع الجديدة مخاوف من ضعف معايير السلامة، في تكرار محتمل لمأساة "رانا بلازا" عام 2013 التي أودت بحياة أكثر من 1100 عامل. في الهند يتزايد القلق من الاعتماد على عمالة الأطفال والعمالة القسرية، في حين تعاني المكسيك من ارتفاع معدلات الإصابات المهنية وسوء ظروف السكن والمعيشة للعمال المهاجرين، حتى داخل الولايات المتحدة، رفعت تقارير EiQ تصنيف المخاطر إلى مستوى "عالٍ"، مع تسجيل حالات عمل إضافي قسري وإصابات خطيرة في المصانع.
تشير التوقعات إلى أن أكثر من 45% من المناطق الجغرافية حول العالم ستسجل تراجعًا في مؤشر المعاملة الإنسانية بحلول عام 2025، وهذا يعني أن نزاعات الرسوم الجمركية، إذا استمرت، ستترك أثرًا طويل الأمد على حقوق العمال المهاجرين، ما يهدد بتوسيع فجوة عدم المساواة عالميًا، كما أن غياب آليات فعالة للرقابة والمساءلة يزيد من احتمالية انتشار شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر.
وينص القانون الدولي، بما في ذلك بروتوكولات منظمة العمل الدولية واتفاقيات الأمم المتحدة، على التزام الحكومات والشركات بحماية العمال من الاستغلال وضمان الحق في بيئة عمل لائقة، غير أن الواقع الميداني يُظهر فجوة متسعة بين المبادئ والتطبيق، وتطالب المنظمات الحقوقية بإلزام الشركات متعددة الجنسيات بإجراء "العناية الواجبة في حقوق الإنسان" عبر سلاسل التوريد، بما يشمل التدقيق المستقل، وتعويض المتضررين، ومحاسبة الوسطاء المتورطين في الانتهاكات.
نحو حلول أكثر إنسانية
لمواجهة هذه التحديات يتعين على الشركات والحكومات تبني استراتيجيات أكثر إنصافًا، ويشمل ذلك الاستثمار في الشفافية الرقمية لرسم خرائط المخاطر، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمتابعة سلاسل التوريد، وتوفير قنوات آمنة للعمال للإبلاغ عن الانتهاكات، كما أن التعاون بين الدول أصبح ضرورة ملحّة لضمان ألا تتحول المنافسة التجارية إلى سباق محموم على حساب الكرامة الإنسانية.
تُعيد حروب الرسوم الجمركية تشكيل خريطة الهجرة وسلاسل التوريد العالمية، لكنها في الوقت ذاته تُفاقم المخاطر على حقوق الإنسان في مختلف مراحل الإنتاج، من المكسيك إلى بنغلاديش، ومن الصين إلى الولايات المتحدة، يتكرر النمط ذاته حيث يدفع العمال المهاجرون الثمن الأكبر في صراع اقتصادي لا يعترف بالحدود.